Skip to content
Alnourpedia
⌕العربيةFrançaisEnglish
Alnourpedia

articles

Al Nour / Muhammad ﷺ
Article

حين قضى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الدَّين بخير منه: الوفاء الذي يزيد الإحسان

من أصدق المواضع التي تظهر فيها أخلاق الإنسان لحظةُ أداء ما للناس عنده. فالحق الذي في الذمة ليس فكرة أخلاقية عامة، بل التزام له صاحب ينتظر، ووقت ينبغي ألا يُستهان به، ونفس قد تتأذى إذا مُطلت أو جرى التعامل معها بمنّة. وفي السنة الصحيحة خبر بالغ الدلالة في هذا الباب: استسلف سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بعيرًا من رجل، ثم لما جاء وقت القضاء لم يوجد مثل السن التي أخذها، وإنما وجد ما هو خير منها وأكبر سنًا، فأمر أن يُعطى صاحب الحق الأفضل. وحفظ صحيح مسلم هذا الخبر في باب مستقل عن استسلاف الشيء وقضاء خير منه، كما ورد معناه في روايات صحيحة أخرى عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه.

تبدو الواقعة في ظاهرها معاملة مالية بسيطة، لكنها تكشف بنية كاملة من الوفاء. سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لم يتعامل مع حق الرجل بوصفه أمرًا ثانويًا أمام مكانته أو مشاغله، ولم يطلب منه أن يقبل نقصًا لأن المتاح لا يطابق ما كان له، بل اتجه القرار إلى صيانة الحق وزيادته إحسانًا. لم يكن الفرق في السن ذريعة للتأخير، بل مناسبة لاختيار ما هو أصلح للدائن. هنا تتجاوز الأخلاق مجرد «إرجاع الشيء» إلى حسن الأداء، وهو معنى دقيق لأن الحقوق قد تُؤدى من الناحية الشكلية مع بقاء الجفاء والمماطلة وسوء المعاملة، بينما السنة تربط الوفاء بجودة القضاء نفسه.

والرواية مهمة كذلك لأنها تضع هذا المعنى في علاقة طبيعية بين دائن ومدين. الرجل صاحب حق، وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هو الذي في ذمته ذلك الحق. لم تُلغِ النبوة حق الطرف الآخر، ولم تجعل المطالبة به حرجًا. وفي بعض الروايات الصحيحة جاء صاحب الحق يطلب حقه بشدة، فغضب بعض الصحابة رضي الله عنهم من أسلوبه، لكن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وجّه إلى الاعتراف بمكانة صاحب الحق، ثم أمر بالقضاء له بما هو خير. هذا التفصيل لا يجعل الخشونة أسلوبًا مطلوبًا في المطالبة، لكنه يكشف شيئًا أعمق: انفعال المحيطين لم يتحول إلى ذريعة لإضعاف الحق نفسه.

في هذا المشهد قدر كبير من التربية العملية. فمن السهل أن يتحدث الإنسان عن العدل حين لا يمسه التزام مباشر، أما حين يصبح مدينًا وتصبح مصلحته في تأجيل الأداء، يظهر صدق الخلق. سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم علّم أصحابه بالفعل أن الوفاء ليس عبئًا يُدفع بأقل قدر ممكن، وإنما باب من أبواب الكرامة. والأفضلية التي أعطاها لصاحب الحق لم تكن تفضّلًا يطمس أصل الدين، بل جاءت بعد تثبيت حقه وعدم منازعته فيه.

ويحتاج هذا الباب إلى دقة حتى لا تُحمَّل الرواية ما لا تحتمل. قضاء الدَّين بخير منه هنا وقع من غير شرط سابق يفرض الزيادة على المدين. وهذا فارق جوهري في فهم الخبر؛ لأن الإحسان الطوعي بعد ثبوت الدين شيء، واشتراط الزيادة في أصل القرض شيء آخر له أحكامه المعروفة. ومن ثم فالمعنى الأخلاقي الذي تنقله الواقعة هو حسن القضاء، لا تحويل القرض إلى وسيلة ربح مشروط. وهذا ينسجم مع طريقة السنة في حماية المعاملات من الظلم وفي الوقت نفسه فتح باب الفضل والإحسان بين الناس.

كما يظهر في الرواية أن أداء الحقوق لا ينفصل عن الإدارة الجيدة للواقع. لم يكن الحيوان المطابق متاحًا، فطُرح البديل الموجود. كان من الممكن أن يقال لصاحب الحق انتظر حتى نجد مثله، لكن القرار النبوي اتجه إلى ما يحفظ حقه فورًا على وجه أفضل. هذه المرونة ليست تجاوزًا للحق، بل خدمة له. فالمقصد لم يكن مطابقة شكلية تعطل الناس، وإنما الوفاء بما استقر في الذمة مع زيادة نافعة لا تضر صاحب الحق.

وإذا تأملنا أثر هذا الخلق في المجتمع، أدركنا أن الثقة الاقتصادية والاجتماعية لا تبنى بالقوانين وحدها. الناس يقرض بعضهم بعضًا، ويبيعون بالآجل، ويأتمن بعضهم بعضًا على المال والمتاع، وكل ذلك يحتاج إلى خلق داخلي يجعل الإنسان حريصًا على الخروج من حقوق الآخرين بوجه كريم. حين يعلم صاحب المال أن حقه محفوظ، وأن المدين لا يبحث عن منفذ للمماطلة، تقل الخصومة وتزداد الطمأنينة. والحديث عن «حسن القضاء» يضع معيارًا يتجاوز الحد الأدنى القانوني إلى جودة العلاقة نفسها.

وهذا المعنى شديد الصلة بالحياة المعاصرة. قد يكون الحق اليوم مبلغًا ماليًا، أو أجرة عامل، أو ثمن خدمة، أو مالًا استدانه قريب، أو مستحقًا تجاريًا بين مؤسستين. لا تتشابه كل هذه الصور فقهيًا، ولكل واحدة أحكامها، لكن القيمة التي يحملها الخبر باقية: لا تجعل قوة موقعك سببًا في إضعاف حق غيرك، ولا تتعامل مع الوفاء وكأنه منحة، ولا تجعل العذر التنظيمي وسيلة معتادة للمماطلة. ومن كان قادرًا على الوفاء فالجمال أن يؤدي بوضوح وفي الوقت وبما يحفظ كرامة صاحب الحق.

ويضيف فعل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بعدًا إنسانيًا آخر: المدين لا يفقد فضله بمجرد وجود دين عليه، لكنه يُمتحن في طريقة قضائه. فالحاجة إلى الاقتراض ليست مذمة في ذاتها، وقد استسلف سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم نفسه، وإنما موضع الأخلاق هو الأمانة بعد ذلك. بهذه الصورة تبتعد السيرة عن التبسيط القاسي الذي يقسم الناس إلى غني كريم ومدين مقصر، وتقدم بدلًا منه ميزانًا أعدل: قد يحتاج الإنسان، وقد يستعين بغيره، ثم يكون كماله في صدق النية وحسن الوفاء.

ومن جهة القارئ، فإن هذه الرواية تصلح لمراجعة صغيرة لكنها مؤثرة: هل الحقوق التي علينا واضحة في أذهاننا كما هي واضحة حين تكون لنا؟ هل نتذكر موعد رد المال كما نتذكر موعد تحصيله؟ هل نعتذر إذا تأخرنا، ونسعى إلى الإصلاح، ونحفظ للناس حقهم في السؤال؟ هذه ليست إضافات إلى النص النبوي، بل تطبيقات أخلاقية تنشأ من معناه العام دون أن تُنسب ألفاظها إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

إن أداء الحقوق في الهدي النبوي لا يكتفي بإغلاق الحساب. في خبر البعير يظهر الوفاء بوصفه خلقًا يحمل عدلًا وإحسانًا معًا: حق يُعترف به، وصاحبه لا يُهان، والقضاء لا يُماطل، والبديل الأفضل يُعطى من غير شرط سابق. ولهذا بقيت الرواية قصيرة في ألفاظها عظيمة في دلالتها؛ لأنها تنقل من موقف واحد قاعدة إنسانية راسخة: من جمال الخلق أن تخرج من حق غيرك وأنت حريص على أن يكون صاحب الحق محفوظ الكرامة، مستوفيًا حقه، مطمئنًا إلى معاملتك.

المصادر الأساسية

ملاحظة تحريرية: عُرضت الوقائع في هذا المقال بالمعنى المنضبط دون إنشاء حوار غير منقول أو دمج ألفاظ روايات متعددة في اقتباس واحد.