تعدد طرق بشارة أمنا السيدة خديجة ببيت في الجنة
تضع بعض كتب السيرة الخروج من حصار الشعب قبل وفاة أبي طالب وأمنا السيدة خديجة رضي الله عنها بمدة قصيرة نسبيًا. ويتصل بذلك أن تقترن وفاة أمنا السيدة خديجة رضي الله عنها في الذاكرة السيرية بوفاة أبي طالب في المرحلة المعروفة بعام الحزن. ومن جهة أخرى، تجعل مصادر من وفاة أبي طالب سابقة لوفاة أمنا السيدة خديجة، لكنها تختلف في مقدار الفاصل. وفي امتداد هذه الصورة، يذكر ابن الملقن أن وفاة أمنا السيدة خديجة كانت قبل الهجرة بثلاث سنين. وعند جمع هذه الأخبار، ينقل ابن جماعة أن وفاة أمنا السيدة خديجة كانت في رمضان، ويذكر تحديدًا لعشر خلون منه في إحدى الروايات.
وفي جانب آخر من الرواية، تذكر بعض المصادر أن أمنا السيدة خديجة رضي الله عنها توفيت وهي في الخامسة والستين، لكن هذا العمر مرتبط بالرواية التي تجعل سنها عند الزواج أربعين تقريبًا. ويُضاف إلى ذلك أن المتفق عليه في السيرة أن أمنا السيدة خديجة توفيت في مكة قبل الهجرة. ويتصل بذلك أن بعد وفاة أمنا السيدة خديجة رضي الله عنها تزوج سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم سودة بنت زمعة، مع وجود اختلاف في ترتيب العقد على سودة وعائشة في بعض المصادر. ومن جهة أخرى، تتفق المصادر على أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها لم تدخل حياة سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم زوجةً إلا بعد وفاة أمنا السيدة خديجة، لكنها تختلف في ترتيب عقد عائشة وسودة.
ويُضاف إلى ذلك أن ثبت في روايات متعددة أن أمنا السيدة خديجة رضي الله عنها بُشرت ببيت في الجنة. يحفظ النسائي عدة طرق: عن أبي هريرة، وعبد الله بن أبي أوفى، وعائشة، مع عبارة «لا صخب فيه ولا نصب» في عدد منها. وفي جانب آخر من الرواية، ناقش علماء السيرة والفقه والمناقب المفاضلة بين أمنا السيدة خديجة وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنهما. ويُضاف إلى ذلك أن تروي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها لم تغر على امرأة كما غارت على أمنا السيدة خديجة، مع أنها لم تدركها زوجةً مع النبي، والسبب الذي تذكره هو كثرة ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم لها وثنائه عليها.
أما من جهة التسلسل التاريخي، تثبت روايات عائشة أن سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم كان يكثر من ذكر أمنا السيدة خديجة بعد وفاتها. ومن جهة أخرى، ترتبط هالة بنت خويلد أخت أمنا السيدة خديجة بخبر مشهور في كتب الحديث: استئذانها على سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم وتذكره استئذان خديجة أو صوتها، مما أثار غيرة عائشة. وعند جمع هذه الأخبار، عبارة عائشة رضي الله عنها في غيرتها من أمنا السيدة خديجة محفوظة في أكثر من طريق، وهي لا تقف وحدها؛ تعللها عائشة بكثرة ذكر النبي لخديجة، وتضم بعض الطرق خبر البشارة بالبيت في الجنة. ويُضاف إلى ذلك أن يجمع ابن الملقن في «غاية السول» عددًا من أخبار أمنا السيدة خديجة داخل بحث خصائص سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه: أنها أول نسائه، وأنه لم يتزوج عليها حتى ماتت، وأن أكثر أولاده منها، وأنها أول من آمن من النساء، ثم يورد فضائلها وبشارة البيت في الجنة ومباحث المفاضلة.
وتفيد الروايات اللاحقة عن غيرة عائشة من كثرة ذكر خديجة في بيان أن خديجة بقيت حاضرة في ذاكرة النبي رغم أنها لم تجتمع بعائشة زوجةً في حياته الزوجية معها. روايات عائشة نفسها من أهم المصادر في مناقب خديجة، ومنها الغيرة من كثرة ذكرها وبشارة البيت في الجنة. في بعضها تذكر عائشة البشارة بالبيت في الجنة، وفي بعضها تقول إن النبي تزوجها بعد خديجة بثلاث سنين.
حدود المادة: هذا التفريع مستقل بموضوعه، لكنه لا يحول الإشارة المصدرية القصيرة إلى سرد موسع من عند المحرر. تُحفظ في هذا المحور ألفاظ الثبوت والخلاف كما هي، ويُترك ما يحتاج إلى استرداد أصل حديثي أو سيري أو مقارنة أوسع في درجة «قيد الاستكمال» بدل الجزم به.
المصادر داخل الماستر
- النسائي، فضائل الصحابة، باب مناقب خديجة.
- صحيح البخاري ومصادر الحديث الصحيح المتعلقة بأمنا السيدة خديجة.
- محب الدين الطبري، خلاصة سير سيد البشر.
- ابن قنفذ، وسيلة الإسلام بالنبي عليه الصلاة والسلام.
- ابن الملقن، غاية السول في خصائص الرسول صلى الله عليه وسلم.
